صديق الحسيني القنوجي البخاري
97
فتح البيان في مقاصد القرآن
عبد اللّه بن أبيّ فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا : كذب زيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة ، حتى أنزل اللّه تصديقي في : إذا جاءك المنافقون ، فدعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ليستغفر لهم ، فلووا رؤوسهم ، وهو قوله : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قال : كانوا رجالا أجمل شيء » « 1 » . وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه ، وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي ، ثم عابهم اللّه سبحانه بالجبن فقال : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يسمعونها واقعة عَلَيْهِمْ نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم ، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان : أولهما : أنه عليهم ، ويكون جملة : هُمُ الْعَدُوُّ مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم يظهرون غير ما يبطنون . والوجه الثاني : أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله : هُمُ الْعَدُوُّ ، ويكون قوله : عَلَيْهِمْ متعلقا بصيحة وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر ، وكان حقه أن يقال : هو العدو ، والوجه الأول أولى قال مقاتل والسدي : أي نادى مناد في العسكر ، أو انفلتت دابة ، أو أنشدت ضالة ، ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب ، وقيل : كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ، ويبيح دماءهم وأموالهم . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يأخذ حذره منهم فقال : فَاحْذَرْهُمْ أن يتمكنوا من فرصة منك ، أو يطلعوا على شيء من أسرارك ، لأنهم عيون لأعدائك من الكفار ، قال أبو السعود : الفاء لترتيب الأمر بالحذر على كونهم أعدى الأعداء ، وعلى هذا جعل قوله : هُمُ الْعَدُوُّ مفعولا ثانيا مما لا يساعده النظم الكريم أصلا ، ثم دعا عليهم بقوله : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي لعنهم اللّه ، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريق التعجب ، كقولهم : قاتله اللّه من شاعر ، أو ما أشعره ، وليس بمراد هنا ، بل المراد ذمهم وتوبيخهم ، وهو طلب من اللّه سبحانه طلبه من ذاته عز وجل أن يلعنهم ويخزيهم ، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك ، وقيل : معناه أهلكهم وهذا ما جرى عليه أبو عيسى ومعنى أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن الحق ؟ ويميلون عنه إلى الكفر بعد قيام البرهان على حقية الإيمان ؟ قال قتادة : يعدلون عن الحق ، وقال الحسن ، معناه يصرفون عن الرشد .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 8 ، ومسلم في المنافقين حديث 1 ، والبر حديث 64 ، وأحمد في المسند 3 / 393 ، 4 / 369 ، 373 .